ابن كثير

63

البداية والنهاية

حين قدم عليه نيسابور في البيعة للسفاح وللمنصور بعده ، فحار في أمره لذلك ، فحقد عليه المنصور وأشار على السفاح بقتله ، فأمره بكتم ذلك . وحين قدم أمره بقتله أيضا وحرضه على ذلك ، فقال له السفاح : قد علمت بلاءه معنا وخدمته لنا فقال أبو جعفر : يا أمير المؤمنين إنما ذلك بدولتنا ، والله لو أرسلت سنورا لسمعوا لها وأطاعوا ، وإنك إن لم تتعش به تغدى بك هو ، فقال له : كيف السبيل إلى ذلك ؟ فقال : إذا دخل عليك فحادثه ثم أجئ أنا من ورائه فأضربه بالسيف . قال : كيف بمن معه ؟ قال : هم أذل وأقل . فأذن له في قتله ، فلما دخل أبو مسلم على السفاح ندم على ما كان أذن لأخيه فيه ، فبعث إليه الخادم يقول له : إن ذاك الذي بينك وبينه ندم عليه فلا تفعله . فلما جاءه الخادم وجده محتبيا بالسيف قد تهيأ لما يريد من قتل أبي مسلم . فلما نهاه عن ذلك غضب أبو جعفر غضبا شديدا . وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور عن ولاية أخيه السفاح ، وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم الخراساني عن أمر الخليفة ، وأذن له في الحج ، فلما رجعا من الحج وكانا بذات عرق جاء الخبر إلى أبي جعفر - وكان يسير قبل أبي مسلم بمرحلة - بموت أخيه السفاح ، فكتب إلى أبي مسلم أن قد حدث أمر فالعجل العجل ، فلما استعلم أبو مسلم الخبر عجل السير وراءه ، فلحقه إلى الكوفة . وكانت بيعة المنصور على ما سيأتي بيانه وتفصيله قريبا والله سبحانه وتعالى أعلم . ترجمة أبي العباس السفاح أول خلفاء بني العباس هو عبد الله السفاح - ويقال له المرتضى ، والقاسم أيضا - ابن محمد بن الإمام بن علي السجاد ابن عبد الله الحبر بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أمير المؤمنين ، وأمه ريطة - ويقال رايطة - بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان ( 1 ) الحارثي ، كان مولد السفاح بالحميمة من أرض الشراة من البلقاء بالشام ، ونشأ بها حتى أخذ مروان أخاه إبراهيم الامام فانتقلوا إلى الكوفة . بويع له بالخلافة بعد مقتل أخيه في حياة مروان يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول بالكوفة كما تقدم . وتوفي بالجدري بالأنبار يوم الأحد الحادي عشر ، وقيل الثالث عشر من ذي الحجة سن ست وثلاثين ومائة ، وكان عمره ثلاثا ، وقيل ثنتين ، وقيل إحدى وثلاثين سنة ، وقيل ثمان وعشرين سنة . قال غير واحد . وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر ، وكان أبيض جميلا طويلا ، أقنى الانف ، جعد الشعر ، حسن اللحية ، حسن الوجه ، فصيح الكلام ، حسن الرأي ، جيد البديهة . دخل عليه في أول ولايته عبد الله بن حسن بن حسن بن علي ومعه مصحف وعند السفاح وجوه بني هاشم من أهل بيته وغيرهم ، فقال له : يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الذي جعله الله لنا في هذا المصحف . قال : فأشفق عليه الحاضرون أن يعجل السفاح عليه بشئ أو يترك جوابه فيبقى ذلك مسبة عليه وعليهم . فأقبل السفاح عليه غير مغضب ولا منزعج ، فقال : إن جدك عليا ، كان خيرا مني وأعدل ، وقد ولي هذا

--> ( 1 ) في الأصل عبد الدار ، ( انظر الطبري - ومروج الذهب وابن الأثير ) .